الزرادشتية

0

 

الاله ” أهورا مازدا ” 

الزرادشتية من العقائد التوحيدية التي يؤمن أتباعها بوجود إله متفوق هو “أهورا مازدا” رب الحكمة وأسسها النبي الفارسي ““زرادشت”” بين عامي 1500 – 1000 قبل الميلاد.

تشجع الديانة الزرادشتية  على الإيمان بالأفكار الجيدة والأخلاق الطيبة والعمل الصالح وعلى القول الطيب وتعرف أيضًا باسم عقيدة “التفاني لمازدا” ونظامها العقائدي منحدر من الديانة الفارسية القديمة التي كان يعبد معتنقوها ألهة متعددة أكبرهم مازدا، وتعتبر الزرادشتية الحياة أنها عبارة عن صراع ما بين الخير والشر، والنور والظلام.

تبنّت الإمبرراطورية الفارسية الأخمينية الديانة الزرادشتية حوالي (550 – 330) قبل الميلاد، وكذلك الإمبراطورية البارثية خلال الفترة من (247 قبل الميلاد وحتى 224 ميلادية).

ازدهار الزرادشتية 

وتجلّت الزرادشتية في أبهى صورها خلال عهد الإمبراطورية الساسنية من (224 ميلادية وحتى 651 ميلادية) فجعلها الساسانيون ديانة الدولة الرسمية، ولكن مع الغزو العربي الإسلامي في عام 651 ميلادية تعرّض الزرادشتيون للاضطهاد وتم تدمير دور العبادة الخاصة بهم أو تحويلها إلى مساجد فانخفضت أعداد أتباع هذه الديانة بدرجة كبيرة ولكنهم مازالوا متواجدين بشكل ملحوظ إلى يومنا هذا.

حياة “زرادشت” ونشأته

الزرادشتية
زرادشت

ولد “زرادشت” لأبوين من نبلاء الفرس المنتمين للطبقة الكهنوتية حيث كان متوقعًا أن يحذو الولد حذو أبيه ويصبح كاهنًا وبدأ تعليمه في مرحلة عمرية مبكرة فهو لم يضطر للعمل منذ حداثة عمره كما يفعل العامة.

وكان ل”زرادشت” أربعة أشقاء هو أوسطهم، ولقد أصبح كاهنًا في سن الخامسة عشرة ، ثم غادر منزل والديه في سن العشرين من أجل متابعة حياته المهنية  ولقد أمعن النظر في الطقوس التعبدية التي كان يمارسها كهنة “الكاربان” ومن ضمنها ذبح القرابين، ورفض ذلك بصورة قاطعة واعتبر الأمر مقيتًا وغير مقبول.

الرؤية

عندما بلغ الثلاثين وأثناء احتفالات “عيد النوروز” أو عيد الربيع لدى الفرس، شهد “زرادشت” رؤية كائن نوراني عرف عن نفسه باسم “فوهو ماها – أو الهدف الصائب” وقال له أن من أرسله هو “أهورا مازدا “لإيصال رسالة مفادها أن الكهنة أساءوا فهم الحقائق الإلهية وكانوا أداة لعبادة الألهة الكاذبة، وأنه لا يوجد سوى إله واحد وهو “أهورا مازدا “الذي لا يعنيه الأضحيات وإراقة الدماء ولكن يعنيه الأخلاق الجيدة والسلوكيات الصحيحة، وأنه اختار “زرادشت” واختصه بهذا الوحي من أجل أن يبدأ مهمته في دعوة الناس على الفور.

ولكن هذه الرؤية الرائعة المبشرة التي أسعدت “زرادشت” لم يكن وقعها على الكهنة مماثلًا فقد هددت مناصبهم ومصالحهم، فطاردوه وأجبروه على الفرار من منزله ولكن ذلك لم يمنعه من التبشير بالحقيقة ، وبقي يمارس صلواته ليتلقى الدعم والتوجيه من “أهورا مازدا“ حيث كانت صلواته تمثل جزءًا هامًا ومركزيًا من الكتاب المقدس للزرادشتية المعروف باسم “الأفستا”.

وتم حفظ كلماته وترديدها في الصلوات وتناقلتها الأجيال شفهيًا، وحتى تم تسجيلها أخيرًا بعد سنوات عديدة كتابةً.

مبادىء الرؤية الخمسة 

وتأسست العقيدة الزرادشتية على تلك الرؤية التي تلقاها “زرادشت” عند النهر عند تلقيه الوحي للمرة الأولى في عيد النوروز في سن الثلاثين والإجابات التي وصلته في صلواته، وتعتمد على خمسة مباديء هي:

  •  الإله الأسمى هو أهورامازدا .
  •  أهورامازدا هو تجسيد للخير.
  •  خصمه الأبدي “أنجرا ماينيو” هو تجسيد للشر.
  •  الخير يظهر في الأفكار الطيبة والعمل الصالح والكلام الطيب.
  •  لكل شخص حرية الإرادة التي تجعله يختار بين الخير والشر.

وعليه اعتبرت الزرادشتية أن “أهورا مازدا “وحده هو الإله بينما تلك الألهة الأخرى التي كان يعبدها الفرس سابقًا ما هي إلا أرواح أو إنبثاق من الذات الإلهية، ولذلك لم يعد بالإمكان عبادة الآلهة الشهيرة مثل “ميثرا” أو “أناهيتا” ولكن لا مانع من تكريمها.

ولقد إدعى البعض أن “أنجرا ماينيو” لديه سلطة تساوي سلطة “أهورا مازدا” ولكن هذا الافتراض لاقى رفضًا واسعًا لدى الزرادشتيين، وحلًا لهذه المشكلة اعتبر المستشرق الألماني مارتن هوج (1827 – 1876) أن “أنجرا ماينيو” ما هو إلا إنبثاق للإله، وهو وسيلة لتفريغ الطاقة السلبية وليس لديه قوة فعليه، اللهم إلا محاولة تخريب وتعطيل خطة “أهورا مازدا“ وأنه هو الشر الفعلي.

سجن “زرادشت”

في بلاط الملك “فيشتاسبا” قام “زرادشت” بمناظرة الكهنة، فغلبهم جميعًا بالحجة والمنطق، وأظهر لهم صحة ما لديه من وحي، فاعتبر الملك أن وجوده بمثابة تحديًا للنظام، ووضعه في السجن.

وفي السجن تمكن “زرادشت” من شفاء حصان مريض وكان هذا الحصان هو المفضل لدى الملك ، فأطلق الملك سراحه واستمع إلى ما لديه من رسالة، فاتبعه وآمن برسالته، ولأنه ملك اتبعه الرعايا بسهولة وأمنوا بالدين الجديد.

ولقد انتشر الدين الزرادشتي بسهولة وسرعة بعد ذلك واستمر “زرادشت” في التبشير بديانته وحتى وفاته عن عمر ناهز 77 عامًا حيث يقال أنه مات من أثر الشيخوخة بينما يعتقد البعض أن كاهنًا من الديانة القديمة قد قام باغتياله.

رؤية الديانة الزرادشتية

ترى العقيدة الزرادشتية أن الغرض من حياة الإنسان هو أن يتبع تعاليم الإله الواحد القادر“أهورا مازدا” ورفض ما تقدمه الحياة من إغراءات وتجنب الفخاخ التي يصنعها “أنجرا ماينيو” (الشيطان) للإنسان.

بداية الخلق

في الديانة الزرادشتية يخلق الإله “أهورا مازدا “الزوجين “ماشيا” و “ماشيناج” ويجعلهما متحابين منسجمين مع كل ما حولهما من أشياء في جنته المفعمة بالحياة والسلام، ولكنهما ينصتان لوسوسة “أنجرا ماينيو” الذي كان يكنّ لهما العداوة وأقنعهما أنه هو الذي خلقهما وجعلهما يشكان في إلههما الحقيقي ويصدقان أكاذيبه.

ولقد طرد الزوجان من الجنة وحكم عليهما بالعيش في عالم تحدوه الصراعات وتحيط به المصاعب من كل حدب وصوب، إلا أن أحفادهما مازالت لديهم الفرصة لعيش حياة هادفة وسعيدة إذا أخلصوا لأهورا مازدا.

طقوس الديانة الزرادشتية

لم يكن لدى الزرادشتيين نصوص مكتوبة ولذلك لا يمكن معرفة ماهية طقوسهم على وجه الدقة، ولكن هناك الكثير من العبادات التي كانوا يقومون بها ومازالوا يمارسونها إلى يومنا هذا بحسب ما يرشدهم إليه الفئة الكهنوتية التي تعرف باسم “المجوس” حيث كانت الطقوس تقام في معابد النار التي حرص الكهنة على إبقاء شعلتها مضيئة اذ ان نور الإله لا ينطفيء.

وكان تقديم القرابين أحد الطقوس التعبدية للزرادشتية حيث تقدم المحاصيل والأشياء الثمينة للكهنة ليشفعوا للناس عند الإله، ولذلك صار رجال الدين لديهم من أغنى الطبقات الاجتماعية وأكثرها نفوذًا وكان هناك مجموعات مختلفة من الكهنة أشهرهم “كاربان” و “كاويس” حرصا بشكل كبير على الإبقاء على الممارسات الدينية للزرادشتية التي كانت تحافظ على مكانتهم السياسية والإجتماعية.

معبد النار

الزرادشتية
طقوس معبد النار

 النار هي العنصر المقدس لدى الزرادشتيين وهي آخر العناصر المخلوقة في اعتقادهم، ويتم إشعالها في معبد النار حيث تقام الصلوات ويتولى الكهنة تلاوة الكلمات المقدسة، في حضرة اللهب المقدس، ثم يتم تكريم الماء في أخر الصلوات باعتباره رمز الحكمة.

ويمكن للفرد أن يتم تسخيره في خدمة الإله “أهورا مازدا” وتعرف هذه الخدمة بإسم “ياسنا” حيث يشهد الزرادشتي على الحق والنظام ويقاوم الكذب ويساعد المؤمنين على محاربة الظلام والشر ، فالعالم زاخر بالأرواح الطيبة “أهورا” والشريرة “دايفا” ويجب على الإنسان أن يكون على دراية بكل ذلك وأن يصغي للخير ويحتاط لنفسه حتى لا يقع في الشر.

                                                                       ما بعد مفارقة الحياه

إن الأساس الأهم في العقيدة الزرادشتية هو حرية الإرادة، ، فإذا اختار الإنسان اتباع “أهورا مازدا“ سيعيش حياة مفعمة بالخير والمحبة، وإذا اختار عكس ذلك سيعيش الفتن والاضطرابات ويغرق في الأعمال الخاطئة.

وعلى الزرادشتي أن يعتنق مبادئ الزرادشتية الخمسة ثم يعبّر عن إيمانه بها من خلال أفكاره وأقواله وأفعاله بإظهار الخير والمحبة وذلك من خلال التالي:

  • الوفاء بالوعود وقول الحقيقة.
  • التصدق على الأقل حظًا.
  • إظهار المحبة للأخرين حتى هؤلاء الذين لا يبادلونك المشاعر.
  • الاعتدال في كافة جوانب الحياة وخاصة في تناول الطعام.

وانتشر الإيمان بهذه العقيدة نتيجة للتحول الذي بدا جليًا على أتباعها والذي مكنهم من التالي:

  • تكوين صداقات حتى مع الخصوم.
  • تحويل الأشرار إلى أبرار.
  • تعليم الجاهل وتثقيفه.

وبهذه السلوكيات وهذه الأفكار يمكن للإنسان أن يعيش حياة مثمرة وينال في الآخرة مكافأة عظيمة.

الموت

لا يقيم الزرادشتيون الجنائز بعكس الثقافات الأخرى، ولا يبدون الحزن المفرط، فالموت هو جزء طبيعي من الحياة وكانوا يشيعون موتاهم باعتدال حيث يتم الاعتناء بالجثة ويحضرون كلب في غرفة الميت لحمايته من الأرواح الشريرة ، ويتأكدون من أنه ميت بالفعل وليس في صورة من صور الغيبوبة، وتوضع الجثث في “أبراج الصمت” وتعرف أيضًا باسم “دخماس” وهي أبنية ذات أسطح مستوية تترك عليها الجثث، حيث كانوا يعتبرون الدفن عملية غير صحية، وبمجرد أن تتحلل بواسطة العوامل الطبيعية، وتعمل النسور على تنظيف العظام بشكل كامل، تدفن العظام نظيفة وبيضاء في حفر الجير.

ولقد منعت الحكومة الإيرانية بناء أبراج الصمت منذ سبعينيات القرن الماضي فأصبح الزرادشتيون يدفنون موتاهم تحت كتل خرسانية.

الكتب المقدسة لدى الزرادشتيين

إن الطقوس المذكورة سابقًا تتم كلها طبقًا للنصوص المقدسة في الزرادشتية وهي ثلاثة نصوص مركزية:

  •  أفستا: وتحتوي على ترانيم “الجاثاس” التي كتبها “زرادشت” نفسه، و “ياسنا” وهي نصوص طقسية.
  •  دينكارد: وهو عبارة عن مجموعة من العادات والمعتقدات.
  •  بونداهيسن: وهو يحتوي على العلوم الكونية.

   رموز الزرادشتية

الزرادشتية
رمز الديانه الزرادشتية

يعد “فارفاهار”  أحد أبرز رموز الزرادشتية، ويمثل رجلًا ملتحيًا يقف فوق زوج من الأجنحة الممتدة من دائرة ترمز للخلود.

النار أيضًا من الرموز المقدسة في الديانة الزرادشتية حيث تمثّل الدفئ والنور والطهارة، وترمز شجر السرو في الزرادشتية للأبدية.

 

بعد الموت

يعتقد الزرادشتيون أن الروح العليا ترسل الروح إلى الجسد في الدنيا لخوض التجربة، والاختيار بين الخير والشر، وعند الموت تبقى الروح هائمة حول الجثمان في الغرفة ثلاثة ايام، فكان الزرادشتيون يبقون كلبًا في الغرفة لحماية روح الميت وإخافة الأرواح الشريرة من الاقتراب منه، وخلال تلك الفترة يقوم الإله بتقييم حياة المتوفي.

بعد مرور الأيام الثلاثة يلتقي “الأرفان” الذي ينقل الروح إلى الملأ الأعلى مع الروح ويسافرا معًا عبر جسر “شينفات” الذي يمر فوق الهاوية ما بين عالمي الأحياء والأموات ويواجهان الكلبين اللذين يحرسان عالم الأموات، وسترحب الكلاب بالروح الطيبة وتوبخ الشريرة.

تقابل بعد ذلك الروح العذراء “داينا” التي تمثّل ضمير المتوفي، وستظهر في صورة جميلة للأبرار، أما المدانين فسيرونها في صورة شمطاء قبيحة، وستحمي “داينا” الروح من هجوم الملاك “سوروش” أثناء عبور الجسر.

يتسع الجسر ويصبح مهيئًا للأرواح الطيبة، ولكنه يضيق ويكون مرعبًا للأرواح المدانة، ويقود “سوروش” الأرواح إلى الملاك “راشنو” قاضي الموت الصالح.

فكرة الجزاء عند الزرادشتيين 

النفوس التي تساوت أفعالها الصالحة مع السيئة تذهب إلى المطهر “هاميستاكان” ويبقون هناك وحتى يوم القيامة، والنفوس الخيرة تدخل الجنة، أما النفوس الشريرة فتسقط من الجسر إلى جحيم بيت الأكاذيب وتعذّب في الظلام، ومهما كان عدد المحيطين بهم من مخلوقات سيظلون في وحدة أبدية.

وللجنة في الزرادشتية أربعة مستويات يصعد إليها الإنسان برفقة “أهورا مازدا “كما أن للجحيم أربعة مستويات يهبط إليها الإنسان أدناها هي طبقة الظلمة التامة، ولكن لأن “أهورا مازدا “رحيم فإنه لا يترك أي من مخلوقاته تعذّب للأبد، ففي الوقت المناسب سيأتي المخلّص “سوشيانت” الذي سيجمع كل النفوس في حضرة “أهورا مازدا” وسيلتقي الجميع في بهجة وحبور ويتم تدمير “أنجرا ماينيو”.

الهجوم على الزرادشتية

تعرضت الزرادشتية للهجوم من قبل المسيحيين في القرن الرابع الميلادي، حيث اعتبر هؤلاء أنها عقيدة خاطئة، وخارجة عن الصواب، ولكنهم لم يكونوا يمتلكون القوة الكافية لمحاربتها.

ولكن مع وصول العرب إلى أرض فارس في القرن السابع الميلادي تم تدمير معابد الزرادشتيين وأضرحتهم ومكتباتهم، واضطر بعضهم لاعتناق الإسلام، بينما فر البعض الأخر إلى الهند أو مارس إيمانه في الخفاء.

وبقيت الزرادشتية مع ذلك وخاصة في أرض “إيران” وفي “بارسيس” الهندية ومازالت تمارس إلى يومنا هذا في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن المسلمين والمسيحيين هاجموها على حد سواء، إلا أنها تعد من أوائل الديانات التوحيدية التي قدمت مفاهيم الخلاص والجنة والنار والمسؤولية الفردية بعد الموت.

الزرادشتية في العصر الحديث

نالت الزرادشتية شهرة واسعة في العالم الغربي بعد انتشار كتاب الفيلسوف الكبير فريدريك نيتشه “هكذا تكلّم زرادشت” وعلى الرغم من الطابع الساخر للكتاب، إلا أنه أثار فضول الكثير من الناس حول العالم للتعرّف على هذا النبي وعلى ديانته التي أتى بها، واعتنق بعض المشاهير في العالم هذه الديانة ومنهم الموسيقار البريطاني “فريدي ميركوري” وهو المغني الرئيسي في فرقة الروك “كوين” وكان يمارس الزرادشتية وتوفي في لندن عام 1991 وأجرى كاهن زرادشتي مراسم الدفن.

ولقد حملت إحدى كبريات شركات صناعة السيارات اليابانية إسم الإله مازدا لترتبط البراند بإله النور، واستخدم الروائي الأمريكي جورج مارتن أسطورة “أزور أوهارا” المأخوذة عن الزرادشتية في مسلسله الأشهر “لعبة العروش Game Of Thrones” حيث يتمكن المحارب “أزور أوهارا” من هزيمة قوى الظلام بمساعدة إله النار  “أهورا مازدا “.

———————————

المصادر

https://www.worldhistory.org/zoroastrianism/

https://www.history.com/topics/religion/zoroastrianism#section_5

 

 

 

 

 

 

إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.